|
الدولة الوطنية ومفهوم الوحدة
الكاتب: الوافي
التاريخ: 2009-01-20 20:40:58
إن القراءة الواعية للأدب العربي الوحدوي، وإلى النتاج الفكري،
إن القراءة الواعية للأدب العربي الوحدوي، وإلى النتاج الفكري، الذي يؤسس التصورات الفكرية والنظريات الثقافية والسياسية والاقتصادية لمشروع الوحدة. يجعلنا نكتشف، أن هذا الأدب والإنتاج الفكري، يقف موقفا مضادا من مفهوم الدولة القطرية، ويعتبرها بما تشكل من نظام سياسي، وشبكة العلاقات والمصالح، عقبة كؤودا، تحول دون تحقيق مفهوم الوحدة القومية.
لهذا فإن هذه الأدبيات، تركز على مفهوم الدولة القومية ودورها في تعزيز مكانة الأمة سياسيا واقتصاديا. وتتخذ موقفا سلبيا من تجربة الدولة القطرية، لما تشكله من عنوان للتجزئة السياسية والاقتصادية.
وفي تقديرنا أن الواقع القطري، لم يختف من التاريخ العربي القديم والحديث. وإنما هو حقيقة تاريخية - سياسية - اقتصادية استمرت في عصور الإخفاق والهزيمة العربية، كما هي أيضا مستمرة في زمن الازدهار والتقدم العربي.
و لكن الفرق الأساسي بينهما هو: أن الدولة أو الكيان القطري في زمن الحضارة والتقدم، كانت ترتبط هيكليا (سياسيا واقتصاديا) مع بقية الكيانات القطرية. مما يجعل العلاقات بين هذه الأطراف مفتوحة على كل المستويات والصعد.
ففي تاريخنا العربي القديم مثلا، لم يختف من الوجود السياسي والاقتصادي القطر العراقي أو المصري أو اليمني أو السوري. وإنما الذي اختفى (في زمن التقدم والحضارة)، هو حالة التعصب الأعمى لهذه الكيانات القطرية.
أما في عصور الإخفاق والهزيمة، فقد تحولت الكيانات القطرية، إلى كيانات مغلقة، تمارس في الكثير من الأحيان القطيعة والانفصال السياسي والاقتصادي مع أشقائها من الدول القطرية الأخرى.
وبإمكاننا أن نقرر: أن التاريخ العربي في هذا الإطار، هو حالة من التراوح بين هذين الخيارين.
وتعتمد حالة التراوح على القاعدة الحضارية. فحينما يصبح العرب متقدمين، يكون الخيار السائد، هو الخيار الأول القائم على وجود الكيانات القطرية النهائية ولعلنا وفق هذا المنظور، نستطيع أن نفهم الواقع القطري العربي المعاصر.
* الدولة القطرية.. من منظور مختلف:
وإن هذه الأمور تدفعنا إلى إعادة القراءة السياسية والحضارية لواقع الدولة القطرية في العالم العربي. حيث أن الوحدة العربية، لم تعن في يوم من الأيام، غياب هذه الكيانات القطرية في إقليم واحد. وإنما نجد أن أرقى الحقب الوحدوية في تاريخنا، هي عبارة عن وجود مجموعة من الأقاليم والولايات ذات الحكم المحلي والتسيير الذاتي، ويجمعها نظام سياسي واحد، يشكل المظلة العليا لمجموع الأقاليم العربية والإسلامية. ووفق هذه الصيغة التاريخية، لم تنتف القطرية من الواقع العربي. وإنما الذي انتفى هو انحباس المواطن فيها على مختلف المستويات.
لذلك فإننا نرى أن النهج الوحدوي السليم، والمستند على الحقائق التاريخية والمعاصرة، هو الذي يقوم على احترام القطرية، والعمل على تنميتها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، حتى تشكل بمجموعها كيانا سياسيا واقتصاديا عربيا ذا وزن دولي.
* إصلاح الجزء ضرورة:
وعبر هذا النهج نتخلص من مشكلة عميقة ابتلي بها الوطن العربي في العصر الحديث. وهي مشكلة الإقليم القاعدة أو الأنموذج. الذي يحاول أن يسيطر على كل الأمور والقضايا، بدعوى الوحدة العربية. ولا نبالغ إذا قلنا إن إخفاق الكثير من المشاريع الوحدوية العربية، يرجع إلى هذه المشكلة وتداعياتها السياسية والدولية. ولهذا فإننا ينبغي أن نقيم تصورنا الوحدوي، على قاعدة أن إصلاح وتطوير وتنمية الإقليم أو الكيان القطري، يخدم استراتيجيا مشروع الوحدة القومية.
لأن الوحدة الصلبة، لا تتحقق بين مجموعة من الأقاليم والكيانات القطرية الضعيفة، والتي لا تمتلك مقومات البقاء. وإنما تتحقق بين مجموعة من الأقاليم القوية، والتي تمتلك مقومات الدولة المستقلة. ويجانب الصواب من يعتقد أن بقاء الكيانات القطرية ضعيفة ومهترئة، هو بسبب التجزئة السياسية.
وإنما هو بسبب السياسات الخاطئة التي لم تستطع أن تنمي وضع هذا الجزء، وتعمق أسباب قوته ومنعته. لهذا فإننا نرى أن إصلاح وتطوير الجزء (الإقليم) ضرورة من ضرورات الوحدة العربية.
فلو سعى المواطنون العرب (كل في إقليمه وكيانه القطري) إلى تنمية واقعه وسد ثغراته، وتمتين اقتصاده، وتطوير وضعه السياسي، فإننا سنحصل على مجموعة من الكيانات القطرية القوية، التي تزيدها الوحدة قوة واقتدارا.
أما إذا كسل المواطنون، وتراخى القوميون عن بناء وطنهم ( الإقليم ) فإن الوحدة ستكون عبئا ثقيلا على الإقليم المقتدر. ولنا في تجربة الوحدة الألمانية خير مثال. فإن تأخر الإقليم الشرقي سياسيا واقتصاديا عن توأمه الغربي، هو الذي حول مشروع الوحدة إلى عبء ثقيل على المواطن الألماني الذي يعيش في الإقليم الغربي.
ولهذا فإننا نقول: إن التجزئة السياسية والاقتصادية التي يعيشها العالم العربي اليوم ليست حالة نهائية. وأن رفع هذه الحالة لا يتم عبر التلويح بآفاق الوحدة وفوائدها الجمة. وإنما يتم عبر أن يشمر مواطنو كل إقليم عن سواعدهم، ويبلورون لأنفسهم الخطط والمشاريع الإنمائية المنسجمة وخصوصياتهم المحلية، والانطلاق في رحاب بناء القوة الشاملة.
إن هذا النهج وحده، هو الذي يزيل واقع التجزئة السياسية والاقتصادية في العالم العربي. ودون ذلك هو محض أمنيات، وتأجيل للنشاط، واتكال على الآخرين في إصلاح أوضاعنا وأمورنا.
* التعاون بداية الوحدة:
وإننا أيضا بحاجة إلى أن ننتقل من حقبة استهلاك الشعارات الوحدوية، التي تؤكد على أهمية الوحدة، والقواسم المشتركة التي تجمع الأطراف العربية، والمستقبل المأمول من مشروع الوحدة. إلى حقبة التراكم والتأسيس الذاتي، المستند على صنع حقائق وحدوية في الأقاليم والأقطار العربية.
فما زالت كياناتنا القطرية تفتقر إلى الحقائق الوحدوية الاقتصادية والثقافية فضلا عن السياسية. وهذا ما يفسر بقاء شعار الوحدة شعارا لا مضمون له. لأنه بعد لم يتشكل في الفضاء القطري، الحقائق الوحدوية الدامغة والداعمة لكل مشروع يتجه إلى تقوية أواصر التضامن والتعاون في الدائرة القومية العربية أو الدائرة الإسلامية.
وينبغي القول والاعتراف في هذا الصدد: أن أغلب مؤسساتنا القومية، لم تستطع لعوامل ذاتية وموضوعية، من تثبيت حقائق وحدوية في الجسم العربي كله. وخير مؤشر على هذه الحقيقة: فشل الجامعة العربية في إيجاد حل عربي للكثير من الأزمات التي يعانيها الفضاء العربي، و في منع الحروب العسكرية أو المواجهات السياسية الحادة التي تجري بين فترة وأخرى بين دول عربية شقيقة.
وإن الحقائق الوحدوية، التي ينبغي أن تتأسس في الوجودات القطرية، هي بحاجة إلى تأسيس قواعد قانونية - سياسية - عملية لمشروع التعاون العربي. حيث أن التعاون وفق هذا المنظور، هو الذي يؤدي إلى تشابك المصالح العربية مع بعضها، ويمنع عمليات الاختراق الأجنبي، ويقربنا على المستوى العملي من مفهوم الوحدة القومية.
وأخيرا: ما أروع الوحدة والتعاون، الذي يتم بين مجموعة من الأقوياء، لا بين قوي وضعيف.
|