|
تغلو في هجاء المجتمع وتستعرض ثقافتها على لسان بعض الشخصيات
الكاتب: الوافي
التاريخ: 2009-01-19 12:19:25
مابين الفردوس اليباب وجاهلية عشر سنوات. . هذا الزمن الطويل بين إصدار الروايتين. ما هي دلالاته. وفي ماذا تقدمت ليلى سرديا في جاهلية عن روايتها الأولى وفي ماذا تأخرت؟
الدكتور عبدالله الغذامي يقول عن الرواية السعودية (نارها حامية ).وفي ظل الاشتعال السردي الذي نرصده بتوالي الإصدارات الروائية المحلية تأتي المساءلة النقدية مهمة ومطلوبة. وفي سلسلة حوارات مع العديد من النقاد يسلطون الضوء على تلك التجارب الروائية المحلية . يأتي هذا الحديث ل (ثقافة اليوم) مع الناقدة نورة القحطاني التي تقدم رؤيتها النقدية المحايدة في تجربة الروائية ليلى الجهني:
؟ @ مابين الفردوس اليباب وجاهلية عشر سنوات. . هذا الزمن الطويل بين إصدار الروايتين. ما هي دلالاته. وفي ماذا تقدمت ليلى سرديا في جاهلية عن روايتها الأولى وفي ماذا تأخرت؟
- الانتظار الطويل لصدور الرواية الثانية للكاتبة بعد نجاح روايتها الأولى خلق أفق انتظار عند المتلقي لذا كان استقبال الرواية الثانية محاولة للتعرف على العالم السردي للكاتبة ومدى تقدمه عن نصها الأول، وهذا بالنسبة لي حافز يدفع القارئ للبحث عما وراء النص للكشف عن تيمات معينة تركز الكاتبة على تناولها في أعمالها وتقصيها في معالجتها لأحداث روايتها، وفي رأيي أن ليلى الجهني طرحت تجربة جيدة في جاهلية استكملت فيها بعض القضايا والأفكار التي طرحتها في الفردوس اليباب لكنها جاءت بأسلوب جيد وجديد وبلغة مختلفة متناسبة مع الحدث الرئيس الذي تعالجه الرواية، وكل نص منهما أثبت نجاحه في فترته الزمنية التي صدر فيها، أما بشأن دلالة البعد الزمني الفاصل بين صدور الروايتين فربما يعود لظروف الكاتبة وهي وحدها التي تستطيع تبرير هذا الانتظار.
@ شخصية صبا في الفردوس اليباب لا تختلف كثيرا عن شخصية لين في جاهلية. . في تصوري أن ليلى تغترف من ذاتها وتلبس بطلات روايتها أبعادها النفسية وقناعتها الفكرية . وبالتالي نجد أن تلك الشخصيتين لهما ذات الأزمة وذات الملامح النفسية . إلى أي حد ترصدين النموذج النسائي في الروايتين؟
- شخصية صبا في الفردوس اليباب شخصية ضعيفة انهزامية خائفة لم تستطع مواجهة الناس فاختارت الانتحار، على رغم تقديمها لنا كفتاة مثقفة واعية تطرح قضايا سياسية واجتماعية إلا أنها عجزت عن مقاومة قهر الرجل وظلمه، فطغت لغة الشكوى والبكائية على حديثها عن قضيتها، أما شخصية لين في جاهلية فهي مختلفة عنها ولا تتقاطع معها إلا في المستوى الفكري والثقافي،وهنا يظهر كما قلت تأثير الكاتبة على شخصياتها حيث إنها تعكس من خلالهما قناعاتها الفكرية
واتجاهاتها الخاصة، وهذا ينطبق على كل كاتب فهو لا يستطيع الانسلاخ من ذاته وقناعاته التي تشكل فكره وتظهر في كتاباته، ويبقى الإبداع في قدرته على نقل هذه القناعات بأسلوب فني راق بعيد عن تحويل الشخصيات إلى دمى يحركها، فكانت شخصية لين على النقيض من صبا فهي مثقفة ذات وعي عميق بذاتها ومنذ ولادتها ووالدها يتنبأ بأنها لن تكون بشرًا عاديًا لذا اختار لها اسمًا مميزا، ونشعر بقوة شخصيتها في مواجهة أخيها، عنيدة ترفض الخضوع لسلطته، تعتمد على نفسها ولا تحتاج إلى الآخرين، لذا لا أراها تشبهها في الملامح النفسية فصبا شخصية مستسلمة محطمة انهارت بعد اكتشافها خيانة حبها، أما لين فكانت قوية متماسكة واجهت مشكلتها بثبات وتحدي، وهذا الرسم المختلف لشخصية البطلة ربما دل على تطور النظرة إلى موقف المرأة عند الكاتبة فجاءت قوية على مستوى طرحها لأفكارها، وعلى مستوى الدفاع عن قضيتها بثقة عالية من دون اللجوء إلى البكائية المتوسلة.
@ لاحظت أنها تدخل الرواية وهي ترفع الهم الاجتماعي . . فتغلو في هجاء المجتمع . وتحت غطاء السرد نجد أن الرواية مكتوبة بهدف تسجيل موقف اجتماعي وربما يطغى على جانب الكتابة من أجل الفن الروائي . . هذه الهجائية التي تحترفها ليلى ألا تخفف من منسوب الإبداع السردي في نصوصها الروائية . . ؟ .
- عندما يمارس الهم الاجتماعي هيمنته على النص يحوله إلى خطاب يطرح من خلاله الكاتب رؤيته وأفكاره، ويتخذ منه وسيلة لطرح قضاياه وهذا ما أضعف بعض الروايات النسائية السعودية فنيًّا، واتفق معك في أن ليلى الجهني تغلو أحيانًا في هجاء المجتمع إنما كما قلت بحرفية تحافظ على تماسك الحبكة في النص، وتدفع الأحداث إلى التأزم بتقنيات فنية مناسبة، وتطرح رؤيتها في خطاب متزن وبلغة هادئة غير استفزازية، تفتح الجرح بمبضع جراح متمكن من أدواته الفنية، فتضمن وصول الفكرة إلى القارئ وتفاعله معها، ولمسنا ذلك الطرح في جاهلية فهي تناقش قضايا عديدة داخل مجتمع ظاهره مثالي وباطنه عنصري، والرواية تسعى إلى كشف كثير من مواضع الخلل في المجتمع، وأصبحنا حقيقة في حاجة إلى روايات تحدث الدهشة على مستوى الطرح الجريء وعلى مستوى الثورة على الشكل التقليدي للرواية، وإلا لن نضيف شيئًا إلى مسيرة هذا الفن سوى تراكم المزيد من الروايات الهشة على رفوف مكتباتنا.
@ اللغة الرهيفة تمتاز بها ليلى. . هي ليست لغة شعرية خالصة وكذلك هي ليست لغة مباشرة . لكننا نرصد أن ليلى لا تسير على إيقاع واحد من اللغة وهذا ما حدث في جاهلية . فاللغة تتشكل على مستوى الحدث. برؤيتك كيف تجدين اللغة في نصوصها وهل هي كما يرى البعض لغتها ذات نكهة كاريزماتية تستر فنيًّا عيوب نصها؟
- تمتاز نصوص ليلى بتعدد الأصوات أي تعدد وجهات النظر؛ فتشد المتلقي على تتبع الرواية، كما أتاح لنا فرصة التعرف على مستويات مختلفة للغة الشخصيات، فلغة الفتاة المثقفة واعية رزينة تخاطب العقل، ولغة أخيها تنبئ عن جاهلية متأصلة فيه، كما أنها تلجأ إلى لغة الأعماق الحيوية ذات الصلة بالواقع والهم المعاش، وكانت الكاتبة في مقاطع كثيرة تستعرض ثقافتها على لسان بعض الشخصيات، فجاءت لغتها تميل إلى الشعرية في الفردوس اليباب لكنها بدت واقعية في جاهلية وهي لذلك جذبت شريحة كبيرة من القراء، ولكن يؤخذ على لغة الكاتبة في (الفردوس اليباب) بعض الارتباك اللغوي في لغة الحوار، فهو تارة بالعامية وتارة بالفصحى من دون مبرر فني، إذ لم تشكل جزءًا حيويًا من لغة الرواية، وليلى كاتبة تستثمر لغتها الجميلة في خدمة نصها حيث توظف إمكاناتها في تصوير الحدث والشخصية بتقنيات فنية متقنة توحي بوعي الذات الكاتبة بأدوات فنها، لذا فلست مع القائل إن لغتها تستر عيوب نصها، لأن اللغة الشعرية وحدها لا تنتج نصًا روائيًا ناجحًا، ولا تستر عيوب التكنيك الفني .
@ (جدة كانت عند ليلى الجهني مدينة ملتبسة . فكان هناك تناقض كبير بين المكان والحدث عند ليلى . فجدة كانت مغلوطة تماماً ولم يكن هناك إحساس مدينة . وكانت هناك أحداث غريبة تحدث في الرواية . اشعر بأن ليلى كان تفكيرها في الكتابة عن القاهرة ولكن سمتها جدة . أنا لا اعرف امرأة في جدة تخرج من بيتها غاضبة وتنطلق في الشوارع وتنتظر نزول المطر!! ببساطة ليلى لوت عنق المكان ليستوعب أحداث الرواية) . هذه رؤية الدكتورة لمياء باعشن عن المكان في رواية الفردوس اليباب. إلى أي حد اختلافك أو اتفاقك مع تلك الرؤية؟
- لابد من التمييز بين المكان في العالم الخارجي والمكان في العالم الروائي، فالمكان في الرواية أياً كان شكله ليس هو المكان في الواقع الخارجي، ولو أشارت إليه الرواية، أو سمته بالاسم، ومن هنا تنشأ المفارقة، لأن التسمية محض وسيلة أولية باهتة، إذ يظل المكان في الرواية عنصراً من عناصرها الفنية، يقوم على استثارة خيال المتلقي من خلال اللغة ليضفي جوًا من الواقعية على الأحداث بذكر أماكن يألفها المتلقي ويتفاعل مع توظيفها داخل النص، ولا يمكن أن نطالب الروائي أو الروائية بنقل الواقع كما هو بما فيه رسم المكان، فضاء الرواية فضاء خيالي يضيف له الكاتب ما شاء من تفاصيل أو يغير فيه بما يتناسق مع الأحداث، وجدة في الفردوس اليباب ليست جدة في الواقع لأنها باختصار تحولت إلى مكان خيالي يتحكم في وصفه وتحديده خيال الكاتبة .
@ عن عنصرية اللون رواية ميمونة كانت ذات الموضوع،أيضا القضية تم تداولها على مستوى الكتاب الأفارقة وكذلك الروائيين الأمريكان الذين هم من أصل إفريقي. ماهي الرؤية الجديدة التي قدمتها رواية جاهلية في هذا الموضوع وألا تشعرين بأن اختزال الموضوع في قصة حب يصادر العمق الذي يتحدث عن مصائر اللون الأسود؟
- رواية (ميمونة) رصدت البعد التاريخي لوجود هذه الفئة في المجتمع، أي بدأت من الجذور، وجاءت (جاهلية) تناقش قسوة تعامل المجتمع معهم بعد مرور مئات السنين على عيشهم بيننا، فطرحت لنا رؤية مفادها أن مجتمعنا حديث حداثة خارجية فقط أما الفكر فما زال يجتر موروثات ثقافية تحيزت ضد الآخر بعنصرية لا تنتمي إلى الدين أو الوعي المعاصر، الرواية هنا تفضح زيف البرواز الجميل الذي يغطي قبح الصورة، واختارت الكاتبة قصة حب بين فتاة من أسرة ذات نسب وشاب أسود لم يحصل على الجنسية فرفضت فكرة زواجهما لعقدة النسب التي يعاني منها المجتمع، وذلك ليس اختزالاً أضعف النص بل ربما تعمدت ذلك لأن عنف العنصرية يظهر هنا فنحن لا نلمس هذه الجاهلية إلا في موضوع الزواج الذي لا ينظر فيه لأي اعتبارات أخرى غير النسب ولا يمكن لأي فرد في المجتمع أن يتجاوز هذا الشرط حتى من انتسب إلى الثقافة وأصحاب الفكر الليبرالي إذ نفاجأ بهوة سحيقة بين الذي ينادون به من أفكار وحرية وبين مواقفهم من قضية النسب عند الزواج، تلك الجاهلية التي جاء الرسول ليؤكد أنها منتنة، فكانت القضية الرئيسة في الرواية ولكنها بجانب ذلك ناقشت أوضاعًا أخرى لحساسية اللون كفقدان الأمل في تعديل وضعهم بالتجنيس ثم تحطم أحلامهم بالتفوق الذي يسمح لهم بدخول الجامعات وكذلك الشعور بالأمن الوظيفي بالحصول على مراكز مرموقة، وأشياء أخرى كانت تبثها لنا أحداث الرواية بين السطور من خلال أسرة مالك وأوضاعهم، صحيح أن الفكرة الرئيسة تضغط على الكاتبة فتركز عليها لكنها في نظري مهمة لأننا متى تجاوزنا التفكير في اللون وصلنا إلى الإنسانية المطلوبة.
|