|
مع تداعيات الوضع في غزة..
الكاتب: الوافي
التاريخ: 2009-01-19 10:38:02
من المؤكد أنه في ظل المأساة الانسانية التي عايشها قطاع غزة علي مدي الاسبوعين الماضيين, من جراء العدوان الاسرائيلي, وعدد الشهداء والجرحي الذي يتزايد مع دوران الساعة لتتحول غزة لشوارع من الدم,
من المؤكد أنه في ظل المأساة الانسانية التي عايشها قطاع غزة علي مدي الاسبوعين الماضيين, من جراء العدوان الاسرائيلي, وعدد الشهداء والجرحي الذي يتزايد مع دوران الساعة لتتحول غزة لشوارع من الدم, واستمرار تصعيد الهجوم, يكاد يصبح من المستحيل أن يتوقف أي منا ليتساءل عما يتهدد آثار غزة من دمار في ظل استمرار الغارات علي القطاع.
لكن هذا المستحيل كان هو الممكن الوحيد بالنسبة لي, ربما هربا من رائحة الدم ومشاهد القتلي والجرحي, ربما كانت المهنة والتخصص, وربما كانت محاولة أن أقوم بدور ولو اقتصر علي مجرد تسليط الضوء علي المسكوت عنه في ظل الهول العظيم, خاصة أنه بتاريخ غير بعيد وتحديدا في عام2004 دمرت الدبابات الاسرائيلية تحفة فنية من خلال الموازييك البيزنطي تقع في جباليا شمال غزة مخالفة بذلك اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح لعام1954, وتحديدا المادة4 الخاصة باحترام الممتلكات الثقافية حيث ورد فيها( تتعهد الأطراف السامية المتعاقدة بالامتناع عن أية تدابير انتقامية تمس الممتلكات الثقافية) ومخالفتها المادة5 الخاصة بالاحتلال حيث ورد في النقطة الثانية( إذا اقتضت الظروف اتخاذ تدابير عاجلة للمحافظة علي ممتلكات ثقافية موجودة علي أراض محتلة منيت بأضرار نتيجة لعمليات حربية وتعذر علي السلطات الوطنية المختصة اتخاذ مثل هذه التدابير, فعلي الدولة المحتلة أن تتخذ بقدر استطاعتها الاجراءات الوقائية الملحة وذلك بالتعاون الوثيق مع هذه السلطات).
من هنا كانت البداية والسؤال الذي ألقيته علي الباحث الأثري عبد الرحيم ريحان مدير آثار نويبع, الذي قال: رغم أن مساحة غزة365 كم2 فإنها تحوي العديد من الآثار منها القديمة والرومانية والمسيحية والاسلامية بمفرداتها المتعددة من مساجد ومدارس وزوايا وأسواق وقيساريات وأسبلة وحمامات وقصور تجلت فيها روعة العمارة والفنون الاسلامية, علاوة علي مكتبة مهمة احتوت علي العديد من المخطوطات. ومن أقدم المواقع الأثرية بغزة تل العجول بجنوب المدينة علي الضفة الشمالية لوادي غزة وكانت علي هذا الموقع مدينة بيت جلايم الكنعانية, ويعتقد أن موقع مدينة غزة القديمة كان علي هذا التل منذ2000 ق.م. وتم الكشف بها عن سور عرضه2.5 م كما عثر بها علي مقابر خيول وخمسة قصور ضخمة قام بعضها فوق بعض أقدمها يعود إلي3000 ق.م. منها قصر يعود إلي زمن الأسرة المصرية الثامنة عشرة1580 ـ1350 ق.م. وبقية القصور تعود إلي زمن الأسرات16,15,12 كما وجد جنوب غزة آثار تؤكد وجود حياة بشرية مهمة منذ3300 عام قبل الميلاد وتقع الآثار الرومانية والبيزنطية بغزة بمنطقة الإبلاخية شمال غرب المدينة حيث يوجد ميناء غزة في العصرين اليوناني والروماني. وفي جنوب غزة يقع دير للرهبان للقديس هيلاريون الذي يعتبر مؤسس حياة الرهبنة في فلسطين وتقع كنيسة الروم الأرثوذكس بحي الزيتون الذي يعود تاريخها إلي بداية القرن الخامس الميلادي. أما الأبنية الحالية فتعود إلي القرن الثاني عشر الميلادي وتمتاز الكنيسة بالجدران الضخمة المدعمة بأعمدة رخامية وجرانيتية وجددت عام1856 م وفي الزاوية الشمالية الشرقية منها يوجد قبر القديس برفيريوس الذي توفي سنة420 م. ويشير ريحان إلي أن غزة تضم العديد من المساجد الأثرية منها مسجد السيد هاشم الذي يقع بحي الدرج في المنطقة الشمالية ويعد من أجمل جوامعها, وأكبرها يتكون من صحن مكشوف تحيط به أربع ظلات أكبرها ظلة القبلة وفي الغرفة التي تفتح علي الظلة الغربية ضريح السيد هاشم بن عبد مناف جد رسول الله صلي الله عليه وسلم الذي توفي في غزة أثناء رحلته التجارية رحلة الصيف والمسجد يعود للعصر المملوكي, وجدده السلطان عبد الحميد سنة1268 هـ,1850 م وسميت مدينة غزة بغزة هاشم نسبة إليه والجامع العمري الكبير بنفس الحي الذي يعود للقرن الثاني عشر الميلادي, ويتميز بمئذنته الرشيقة وجامع ابن مروان في حي التفاح وفيه قبر الشيخ علي بن مروان بن عامل الأشبيلي وهو من أشراف المغرب ومسجد الظفر دمري الذي يقع في حي الشجاعية ـ التركمان انشأه شهاب الدين أحمد أزفير بن الظفر دمري في سنة762 هـ/1360 م واشتهر محليا بالقرمزي, ويعتبر مدخل هذا المسجد من أجمل المداخل التذكارية معقودا بعقد بشكل حدوة فرس ومزينا بزخارف نباتية بالحفر البارز والغائر وزخارف هندسية وأطباق نجمية وزخارف كتابية. وجامع ابن عثمان بحي الشجاعية ـ شارع السوق ويعتبر هذا الجامع أحد أكبر المساجد الأثرية ونموذجا رئعا للعمارة المملوكية بعناصرها المعمارية والزخرفية وقد أنشيء علي مراحل متعددة أثناء العصر المملوكي وأنشأه أحمد بن عثمان الذي ولد في نابلس, وجاء إلي غزة وبني جامعها وتوفي فيها سنة805 هـ/1402 م ويوجد بالرواق الغربي من المسجد قبر الأمير سيف الدين يلخجا الذي تولي نيابة غزة سنة849 هـ/1445 م, وتوفي بها سنة850 هـ/1446 م, ودفن في الجامع. وجامع كاتب الولاية بحي الزيتون يعود للعصر المملوكي735 هـ/1334م والاضافات الغربية فيه ترجع إلي العصر العثماني, والتي أقام بها أحمد بك كاتب الولاية سنة995 هـ لذا سمي بجامع كاتب الولاية ومما يميز هذا الجامع تجاور مئذنة وبرج كنيسة الروم الأرثوذكس مما يدل علي التسامح والتآخي بين المسلمين والمسيحيين وجامع المحكمة البردبكية( مدرسة الأمير بردبك الدوادار) بحي الشجاعية, ويتميز بمئذنته الجميلة الرشيقة وهو النموذج المعماري الرائع للمدارس في العصر المملوكي وتاريخه859 هـ/1455 م واستخدم فيما بعد كمدرسة( المدرسة الشجاعية) ثم مقر للمحكمة الشرعية لذلك أطلق عليها محليا اسم جامع المحكمة وجامع علي بن مروان بحي التفاح خارج السور الشرقي لمدينة غزة القديمة ويعود للعصر المملوكي ويحتوي علي ضريح لولي الله الشيخ علي بن مروان أسفل قبة ملحقة بالمسجد ويجاور الجامع مقبرة سميت باسمه تضم شواهد قبور وتحوي غزة زوايا كالزاوية الأحمدية بحي الدرج التي أنشأها أتباع السيد أحمد البدوي في القرن6 هـ/14 م المتوفي بطنطا عام657 هـ/1267 م.
وبالاضافة للمنشآت الدينية بغزة من مساجد ومدارس وزواياهناك منشآت مدنية كالأسواق مثل سوق القيسارية بحي الدرج وهو ملاصق للجدار الجنوبي للجامع العمري الكبير وتعود بناء السوق الي العصر المملوكي وتتكون من شارع مغطي بقبو مدبب وعلي جانبي هذا الشارع حوانيت صغيرة مغطاة بأقبية متقاطعة يطلق عليها سوق القيسارية أو سوق الذهب نسبة إلي تجارة الذهب فيها, والقصور مثل قصر الباشا بحي الدرج المكون من طابقين ويعود للعصر المملوكي وكان مقرا لنائب غزة في العصرين المملوكي.
وفي ظل الظروف الراهنة التي تتعرض لها غزة يطالب الباحث عبد الرحيم ريحان ونطالب بدورنا بتحرك سريع من قبل كل الهيئات الثقافية ووزراء الاعلام والثقافة في العالم العربي للعمل علي تطبيق المادة28 من لائحة اليونسكو الخاصة بالجزاءات وأن تتخذ طبقا للمادة المذكورة كافة الاجراءات التي تكفل محاكمة الأشخاص الذين يخالفون أحكام هذه الاتفاقية أو الذين يأمرون بما يخالفها وتوقيع جزاءات جنائية أو تأديبية عليهم وإرسال لجنة عاجلة لتقدير حجم الدمار للممتلكات الثقافية بغزة ومدي مخالفتها لهذه الاتفاقية ومحاكمة المسئولين عن تعريضها للدمار, والتأكيد علي مسئولية جامعة الدول العربية والهيئات الثقافية بدولها في إعادة ترميم كل الممتلكات الثقافية بغزة.
|